السباحة في المياه المفتوحة: مياه صرف صحي وبول جرذان وطحالب سامة.. فهل تضر بصحتك؟

يستعد 3 أشخاص للسباحة في مياه نهر

صدر الصورة، Getty Images

    • Author, فرانسيس هاسارد
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

تشهد السباحة في الأنهار والبحيرات رواجاً متزايداً، لكن الأمطار الغزيرة وفيضانات شبكات الصرف الصحي والجريان السطحي من المزارع قد تؤدي إلى تفشي الأمراض. فكيف نعرف الأوقات التي تكون فيها المخاطر الصحية في أعلى مستوياتها؟

في يوم سبت قائظ، يقف صف من السباحين عند منحدر نهري في لندن، فيما تتطاير معطاف التجفيف وتتوهج شاشات الهواتف في أيديهم.

يُظهر تطبيق لمراقبة التلوث تحذيراً باللون الكهرماني بشأن نهر التايمز في المنطقة المتأثرة بالمد والجزر... يتجاهل بعضهم الأمر ويضعون هواتفهم جانباً قبل النزول إلى الماء رغم ما قد يكون كامناً فيه من مياه الصرف الصحي، مازحين بشأن الحصول على "قليل من فيتامين إس".

وهناك آخرون أكثر حذراً فيترددون... يستنشقون رائحة النهر، ويفكرون في العاصفة التي ضربت المدينة بقوة في الليلة السابقة، ثم يقررون الامتناع عن السباحة هذه المرة.

ازدهرت السباحة في المياه المفتوحة -المعروفة أيضاً باسم السباحة في المياه الطبيعية-، في دول تمتد من المملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى أستراليا خلال العقد الماضي، مدفوعة بوسائل التواصل الاجتماعي، وحملات تشجيع الاستفادة من "المساحات الزرقاء" في المدن، والسعي إلى وسائل منخفضة التكلفة لتحسين الشعور بالرفاه في الأوقات الصعبة.

وتشير دراسات إلى أن قضاء الوقت في المياه الطبيعية أو بالقرب منها يرتبط بتحسن الصحة النفسية وانخفاض مستويات التوتر، حتى بعد أخذ التمارين الرياضية والدخل في الحسبان.

لكن مع إصدار السلطات الصحية تحذيرات متكررة بشأن ما يمكن أن يوجد من أمراض وتلوث في البحيرات والأنهار، فإن السباحة فيها تنطوي على مخاطر صحية. فإلى أي مدى تعد السباحة في المياه الطبيعية آمنة فعلاً؟ وهل توجد طرق تمكنك من الحكم بنفسك على ما إذا كان النزول إلى الماء فكرة جيدة؟

شهدت السباحة البرية رواجاً كبيراً، لكن مخاطر الإصابة بالعدوى غالباً ما تمر من دون إدراك

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، شهدت السباحة في المياه الطبيعية رواجاً كبيراً، لكن مخاطر الإصابة بالعدوى غالباً ما تمر من دون إدراك

مياه صرف صحي وجرذان وطحالب سامة

قبل نحو قرنين، أدى الطقس الحار المقترن بتلوث شديد في نهر التايمز إلى انتشار رائحة كريهة إلى درجة الغثيان عُرفت باسم "الرائحة الكريهة العظمى". وأثار الغضب الشعبي من الرائحة إصلاحات شملت إنشاء نظام جديد للصرف الصحي في لندن.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

أما اليوم، فيعج النهر بعوامات السباحين الملونة وقبعاتهم الصوفية المميزة. وتتكرر مشاهد مشابهة على ضفاف أنهار استعادت عافيتها، من نهر السين إلى نهر الدانوب ونهر هدسون.

وفي مدينة بازل السويسرية، تمنح بعض الشركات الموظفين الجدد حقيبة سباحة على شكل سمكة تُعرف باسم "فيكلفيش"، يستخدمها السكان المحليون أثناء السباحة في نهر الراين.

وباتت الأنهار، التي كانت تُعامل في السابق بوصفها مصارف مفتوحة، تُعد على نحو متزايد نظيفة وصالحة للسباحة، واستثمرت باريس نحو 1.6 مليار دولار في تنظيف نهر السين، بما في ذلك إنشاء حوض ضخم تحت الأرض في أوسترليتز يمكنه استيعاب نحو 50 ألف متر مكعب من مياه الأمطار، أي ما يعادل تقريباً حجم 20 مسبحاً أولمبياً، بدلاً من تصريفها مباشرة في النهر.

وفي الوقت نفسه، يستطيع مشروع "تايدواي" في لندن، وهو "نفق الصرف العملاق" الممتد لنحو 25 كيلومتراً بمحاذاة نهر التايمز، تخزين نحو 1.6 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي ومياه الأمطار المختلطة قبل إرسالها إلى المعالجة.

وتعتمد الحكومات سنوياً مزيداً من المواقع بوصفها مناطق رسمية للسباحة.

ومع ذلك، فإن عاصفة صيفية واحدة قد تقضي على أسابيع من نتائج الاختبارات الإيجابية، إذ كثيراً ما تتأثر جودة المياه بالأحوال الجوية.

ففي الولايات المتحدة، يُعد الجريان السطحي لمياه الأمطار وفائض شبكات الصرف الصحي من أبرز مصادر التلوث التي تؤدي إلى إصدار تحذيرات عامة وإغلاق الشواطئ على السواحل أو ضفاف البحيرات.

وتقول إيزابيل دوتيريليو سولير، المحاضرة الأولى في علم الأحياء الدقيقة البيئي في جامعة شيفيلد في المملكة المتحدة: "بعد الأمطار الغزيرة والعواصف، تصبح أنهار المدن عادة غير آمنة للسباحة من الناحية الميكروبيولوجية لمدة لا تقل عن 24 إلى 72 ساعة، ويرجع ذلك أساساً إلى فيضان مياه الصرف والجريان السطحي واضطراب الرواسب".

وتضيف: "عندما تهطل كميات كبيرة من الأمطار، يمكن أن تتعرض هذه الأنظمة لضغط يفوق طاقتها". وعند حدوث ذلك، تقوم شركات المياه بتصريف مياه ملوثة بالصرف الصحي مباشرة إلى الأنهار لمنع ارتدادها إلى المنازل أو تجاوزها قدرة محطات المعالجة، وتعرف منافذ التصريف هذه باسم "فيضانات شبكات الصرف المشتركة".

تقوم العديد من شبكات الصرف الصحي بتصريف الفائض إلى المجاري المائية بعد هطول أمطار غزيرة، مما يزيد من خطر وجود مسببات الأمراض.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، تقوم العديد من شبكات الصرف الصحي بتصريف الفائض إلى المجاري المائية بعد هطول أمطار غزيرة، مما يزيد من خطر وجود مسببات الأمراض

وسُجلت تفشيات واسعة لأمراض معدية بين ممارسي السباحة في المياه الطبيعية، وارتبط الخطر بابتلاع مياه الأنهار. وحتى عندما تبدو نتائج المراقبة الروتينية مطمئنة، يمكن أن تؤدي السباحة في الأنهار إلى أمراض خطيرة، تبعاً للظروف السائدة في ذلك اليوم.

وتُظهر دراسات متعلقة بالصحة والسباحة في المياه الطبيعية نمطاً ثابتاً: كلما زادت ملامسة الأشخاص للمياه (خصوصاً إذا ابتلعوها)، ارتفع خطر الإصابة بأمراض الجهاز الهضمي.

وتَظهر أوضح الزيادات في المخاطر في رياضات مثل ركوب الأمواج، والتجديف بقوارب الكاياك، والرياضات التي تجمع بين السباحة والتسلق والقفز.

ويكون الأطفال أكثر عرضة للخطر من البالغين جزئياً بسبب ابتلاعهم كمية أكبر من المياه أثناء السباحة.

ومعظم هذه الأمراض تكون قصيرة الأمد وتتمثل في نوبات إسهال أو تقلصات معوية. لكن مسببات هذه الأمراض قد تكون أحياناً أكثر خطورة.

إذ أن داء اللولبية النحيفة وهو مرض بكتيري ينتقل عبر بول القوارض والماشية، قد يؤدي إلى فشل الأعضاء والوفاة. ورغم أنه لا يزال نادراً في البلدان المعتدلة المناخ، فقد سُجلت حالات تفشٍ بين مشاركين في سباقات الترايثلون في المملكة المتحدة، حيث تشمل منافساتهم السباحة في المياه المفتوحة.

وتنصح هيئات الصحة العامة بتجنب مياه الفيضانات والمناطق التي تنتشر فيها القوارض. كما ينبغي محاولة التقليل من ابتلاع المياه بأقصى قدر ممكن، والاستحمام بعد السباحة، وتغطية الجروح والخدوش قبل النزول إلى الماء، وطلب المشورة الطبية إذا ظهرت أعراض مثل الحمى أو القشعريرة أو الصداع بعد السباحة في النهر.

كما يمكن أن تشجع الأجزاء الدافئة أو بطيئة الجريان من الأنهار ازدهار البكتيريا الزرقاء، التي تُسمى أحياناً بالطحالب الخضراء المزرقة. ويمكن لهذه الكائنات إطلاق سموم تسبب تهيج الجلد والعينين، وقد تؤثر في حالات أقل شيوعاً على الكبد أو الجهاز العصبي لدى البشر.

وتضيف مقاومة مضادات الميكروبات خطراً آخر إلى السباحة في المياه الطبيعية وغيرها من الرياضات في المياه الطبيعية، فعلى سبيل المثال، تشير أبحاث إلى أن راكبي الأمواج المنتظمين أكثر عرضة بكثير لحمل بكتيريا الإشريكية القولونية المقاومة للمضادات الحيوية في أمعائهم مقارنة بغير الممارسين لهذه الرياضة. وهذه الجراثيم فائقة المقاومة ليست موجودة في البحار فقط، بل في الأنهار أيضاً.

وتقول إيزوبيل ستانتون، المتخصصة في علم الأحياء الدقيقة البيئي في المركز البريطاني لعلم البيئة والهيدرولوجيا: "توجد البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية في بيئات الأنهار، وقد تكون جاءت من مصادر تلوث مثل محطات معالجة مياه الصرف".

وتضيف دوتيريليو سولير أن هذه المقاومة تجعل علاج أي عدوى أكثر صعوبة.

مع اتخاذ الاحتياطات المناسبة، يمكن تقليل خطر الإصابة بالمرض نتيجة السباحة البرية.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، مع اتخاذ الاحتياطات المناسبة، يمكن تقليل خطر الإصابة بالمرض نتيجة السباحة البرية

الاختبارات لا تروي القصة كاملة

يفترض كثير من السباحين أن الاختبارات الرسمية ترصد معظم هذه المخاطر، لكن الواقع أكثر تعقيداً، وخصوصاً في الأنهار.

فبموجب اللوائح الأوروبية لمياه الاستحمام، تُراقب المواقع المعتمدة للكشف عن نوعين رئيسيين من البكتيريا الدالة على التلوث البرازي: الإشريكية القولونية والمكورات المعوية.

وفي إنجلترا، تجمع وكالة البيئة عادة نحو 20 عينة من كل موقع خلال كل موسم، وتستند التصنيفات مثل "ممتاز" و"جيد" و"كافٍ" و"رديء" إلى بيانات السنوات الأربع السابقة، وليس إلى نتيجة اختبار واحد فقط.

وتتشابه الصورة في الولايات المتحدة، لكنها تختلف من ولاية إلى أخرى. وتركز الإرشادات الفدرالية على الأنواع نفسها من البكتيريا الدالة على التلوث البرازي – الإشريكية القولونية (في المياه العذبة أساساً) والمكورات المعوية (خصوصاً في المياه البحرية) – بدلاً من إجراء اختبارات دورية للكشف عن كل مسبب محتمل للمرض.

وتخضع العديد من الشواطئ الساحلية وشواطئ البحيرات العظمى في الولايات المتحدة للمراقبة، مع اختلاف وتيرة أخذ العينات بحسب الموقع (وغالباً ما تكون أسبوعية، وأحياناً أكثر من ذلك).

ومع ذلك، يستغرق صدور النتائج عادة ما بين 24 و48 ساعة، ما يعني أن التحذيرات العامة قد تصل بعد أن يكون الناس قد سبحوا بالفعل. وتوجد وسائل أسرع للكشف في اليوم نفسه تعتمد على الحمض النووي، لكنها ليست مطبقة على نطاق شامل.

وبشكل أساسي، صُمم النهج الحالي للمراقبة لتتبع الاتجاهات طويلة الأجل، ويميل إلى أن يكون أكثر فعالية في المواقع الساحلية الأكثر استقراراً، أما فائدته فتقل عند اتخاذ قرارات فورية، مثل تحديد ما إذا كان النهر آمناً صباح اليوم التالي لهطول أمطار غزيرة، لأن أخذ العينات بصورة روتينية قد لا يرصد حوادث التلوث القصيرة.

ونظراً إلى أن التلوث يتأثر بشدة بتغير الظروف الجوية، فقد لا يكون حتى موقع السباحة الرسمي المعتمد آمناً للسباحة في بعض الأوقات. فالأمطار الغزيرة كثيراً ما تحرك مياه الصرف والجريان السطحي الزراعي وتضغط على شبكات الصرف الصحي، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التلوث.

وعموماً، تتأخر المواقع الداخلية مثل الأنهار والبرك والبحيرات عن المواقع الساحلية، من حيث جودة المياه، لأن الأنهار والبحيرات الداخلية أكثر تعرضاً للتلوث القادم من اليابسة، كما أن الملوثات لا تتخفف بالدرجة نفسها التي يحدث بها ذلك في البحر.

وفي المناطق الزراعية، تجرف الأمطار الغزيرة روث الماشية والتربة من الحقول إلى الأنهار، ما يسبب ارتفاعات قصيرة الأمد في الكائنات الدالة على التلوث البرازي ويضيف مغذيات تغذي ازدهار الطحالب والبكتيريا الزرقاء.

وخلاصة الأمر أن التحذيرات مفيدة، لكنها لا تغني عن التقييم الشخصي القائم على مراقبة النهر والطقس، والتفكير في هوية من سينزلون إلى الماء.

وقد يكون تجنب السباحة في المياه الطبيعية خلال الأيام التالية لعاصفة أو أمطار غزيرة خياراً أكثر أماناً، كما أن فحص المياه بحثاً عن تكاثر الطحالب، أو العكارة، أو المياه البنية، أو روائح الصرف الصحي أو المواد الكيميائية، أو طبقات سطحية قذرة، أو المياه الخضراء الشبيهة بحساء البازلاء، أو الرغوة في الدوامات البطيئة، أو أي علامات على نفوق الأسماك، يمكن أن يعطي مؤشرات إضافية على ضرورة تجنب السباحة.

ومن المرجح أن تكون المناطق البعيدة عن مخارج التصريف والمرافئ وحقول الماشية، التي توفر وسيلة سهلة للدخول والخروج من الماء، أنظف وأكثر أماناً من المناطق القريبة من مصادر التلوث.

ويلزم توخي مزيد من الحذر - وفي بعض الحالات تجنب السباحة في المياه الطبيعية تماماً - إذا كان جهازك المناعي ضعيفاً، أو كنت مريضاً، أو لديك جروح مفتوحة، أو تنوي السباحة مع أطفال.

وإضافة إلى التلوث، يمكن أن تشكل البرودة والتيارات المائية مخاطر أخرى، وكذلك السباحة بمفردك من دون وجود شخص يمكنه المساعدة في حالات الطوارئ.

والخلاصة ليست أن الأنهار مناطق محظورة، بل إن متعة السباحة في المياه الطبيعية تُصان على أفضل وجه عندما يقترن الحماس بالحذر، وحسن التوقيت، والإلمام بظروف المكان وموقع السباحة.